فصل: باب النَّهْيِ عَنِ التَّخَلِّي فِي الطُّرُقِ وَالظِّلاَلِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.(بَاب الِاسْتِطَابَة):

وَهُوَ مُشْتَمِل عَلَى النَّهْي عَنْ اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة فِي الصَّحْرَاء بِغَائِطٍ أَوْ بَوْل وَعَنْ الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ وَعَنْ مَسّ الذَّكَر بِالْيَمِينِ، وَعَنْ التَّخَلِّي فِي الطَّرِيق وَالظِّلّ، وَعَنْ الِاقْتِصَار عَلَى أَقَلّ مِنْ ثَلَاثَة أَحْجَار، وَعَنْ الِاسْتِنْجَاء بِالرَّجِيعِ وَالْعَظْم، وَعَلَى جَوَاز الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ، فِي الْبَاب حَدِيث سَلْمَان الْفَارِسِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: «قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلّ شَيْء حَتَّى الْخِرَاءَة قَالَ: فَقَالَ: أَجَل لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِل الْقِبْلَة لِغَائِطٍ أَوْ بَوْل أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِي بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِي بِأَقَلّ مِنْ ثَلَاثَة أَحْجَار أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِي بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْم» وَفيه حَدِيث أَبِي أَيُّوب: «إِذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِط لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَة وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِط وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» وَفيه حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة: «إِذَا جَلَسَ أَحَدكُمْ عَلَى حَاجَته فَلَا يَسْتَقْبِلَنَّ الْقِبْلَة وَلَا يَسْتَدْبِرهَا» وَفيه حَدِيث اِبْن عُمَر: قَالَ: «رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا عَلَى لَبِنْتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْت الْمَقْدِس لِحَاجَتِهِ» وَفِي رِوَايَة: «مُسْتَقْبِل الشَّام مُسْتَدْبِر الْقِبْلَة» وَفيه غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث.
385- قَوْله: (الْخِرَاءَة) فَبِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَبِالْمَدِّ، وَهِيَ اِسْم لِهَيْئَةِ الْحَدَث، وَأَمَّا نَفْس الْحَدَث فَبِحَذْفِ التَّاء وَبِالْمَدِّ مَعَ فَتْح الْخَاء وَكَسْرهَا.
قَوْله: «أَجَل» مَعْنَاهُ: نَعَمْ وَهِيَ بِتَخْفِيفِ اللَّام، وَمُرَاد سَلْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ عَلَّمَنَا كُلّ مَا نَحْتَاج إِلَيْهِ فِي دِيننَا حَتَّى الْخِرَاءَة الَّتِي ذَكَرْت أَيّهَا الْقَائِل، فَإِنَّهُ عَلَّمَنَا آدَابهَا فَنَهَانَا فيها عَنْ كَذَا وَكَذَا. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: «نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِل الْقِبْلَة لِغَائِطٍ أَوْ بَوْل» كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي مُسْلِم (لِغَائِطٍ) بِاللَّامِ، وَرُوِيَ فِي غَيْره (بِغَائِطٍ)، وَرُوِيَ (لِلْغَائِطِ) بِاللَّامِ وَالْبَاء وَهُمَا بِمَعْنًى، وَأَصْل الْغَائِط الْمُطْمَئِن مِنْ الْأَرْض، ثُمَّ صَارَ عِبَارَة عَنْ الْخَارِج الْمَعْرُوف مِنْ دُبُر الْآدَمِيّ.
وَأَمَّا النَّهْي عَنْ الِاسْتِقْبَال لِلْقِبْلَةِ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِط فَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فيه عَلَى مَذَاهِب أَحَدهَا: مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ- رَحِمهمَا اللَّه تَعَالَى- أَنَّهُ يَحْرُم اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة فِي الصَّحْرَاء بِالْبَوْلِ وَالْغَائِط، وَلَا يَحْرُم ذَلِكَ فِي الْبُنْيَان، وَهَذَا مَرْوِيّ عَنْ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب، وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَالشَّعْبِيّ وَإِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ رَحِمَهُمْ اللَّه. وَالْمَذْهَب الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوز ذَلِكَ لَا فِي الْبُنْيَان وَلَا فِي الصَّحْرَاء، وَهُوَ قَوْل أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَمُجَاهِد وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَأَبِي ثَوْر وَأَحْمَد فِي رِوَايَة. وَالْمَذْهَب الثَّالِث: جَوَاز ذَلِكَ فِي الْبُنْيَان وَالصَّحْرَاء جَمِيعًا، وَهُوَ مَذْهَب عُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَرَبِيعَة شَيْخ مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ، وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيّ. وَالْمَذْهَب الرَّابِع: لَا يَجُوز الِاسْتِقْبَال لَا فِي الصَّحْرَاء، وَلَا فِي الْبُنْيَان، وَيَجُوز الِاسْتِدْبَار فيهمَا، وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد- رَحِمهمَا اللَّه تَعَالَى-، وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ مُطْلَقًا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الْوَارِدَة فِي النَّهْي مُطْلَقًا كَحَدِيثِ سَلْمَان الْمَذْكُور، وَحَدِيث أَبِي أَيُّوب وَأَبِي هُرَيْرَة وَغَيْرهمَا قَالُوا: وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا مُنِعَ لِحُرْمَةِ الْقِبْلَة، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُود فِي الْبُنْيَان وَالصَّحْرَاء، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَائِل كَافِيًا لَجَازَ فِي الصَّحْرَاء؛ لِأَنَّ بَيْننَا وَبَيْن الْكَعْبَة جِبَالًا وَأَوْدِيَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاع الْحَائِل، وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ مُطْلَقًا بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا الْمَذْكُور فِي الْكِتَاب أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَقْبِلًا بَيْت الْمَقْدِس مُسْتَدْبَر الْقِبْلَة، وَبِحَدِيثِ عَائِشَة- رَضِيَ اللَّه عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ أَنَّ أُنَاسًا يَكْرَهُونَ اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة بِفُرُوجِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا حَوِّلُوا بِمَقْعَدِي» أَيْ إِلَى الْقِبْلَة. رَوَاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي مُسْنَده وَابْن مَاجَهْ وَإِسْنَاده حَسَن، وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ الِاسْتِدْبَار دُون الِاسْتِقْبَال بِحَدِيثِ سَلْمَان. وَاحْتَجَّ مَنْ حَرَّمَ الِاسْتِقْبَال وَالِاسْتِدْبَار فِي الصَّحْرَاء وَأَبَاحَهُمَا فِي الْبُنْيَان بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا الْمَذْكُور فِي الْكِتَاب، وَبِحَدِيثِ عَائِشَة الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَفِي حَدِيث جَابِر قَالَ: «نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِل الْقِبْلَة بِبَوْلٍ فَرَأَيْته قَبْل أَنْ يُقْبَض بِعَامٍ يَسْتَقْبِلهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا وَإِسْنَاده حَسَن، وَبِحَدِيثِ مَرْوَان الْأَصْغَر قَالَ: رَأَيْت اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَاخَ رَاحِلَته مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة ثُمَّ جَلَسَ يَبُول إِلَيْهَا فَقُلْت: يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: بَلَى إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاء، فَإِذَا كَانَ بَيْنك وَبَيْن الْقِبْلَة شَيْء يَسْتُرك فَلَا بَأْس. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره. فَهَذِهِ أَحَادِيث صَحِيحَة مُصَرِّحَة بِالْجَوَازِ فِي الْبُنْيَان، وَحَدِيث أَبِي أَيُّوب وَسَلْمَان وَأَبِي هُرَيْرَة وَغَيْرهمْ وَرَدَتْ بِالنَّهْيِ فَيُحْمَل عَلَى الصَّحْرَاء لِيُجْمَع بَيْن الْأَحَادِيث، وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ الْجَمْع بَيْن الْأَحَادِيث لَا يُصَار إِلَى تَرْك بَعْضهَا، بَلْ يَجِب الْجَمْع بَيْنهَا وَالْعَمَل بِجَمِيعِهَا، وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْع عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَوَجَبَ الْمَصِير إِلَيْهِ، وَفَرَّقُوا بَيْن الصَّحْرَاء وَالْبُنْيَان مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّهُ يَلْحَقهُ الْمَشَقَّة فِي الْبُنْيَان فِي تَكْلِيفه تَرْك الْقِبْلَة بِخِلَافِ الصَّحْرَاء، وَأَمَّا مَنْ أَبَاحَ الِاسْتِدْبَار فَيَحْتَجّ عَلَى رَدّ مَذْهَبه بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الْمُصَرِّحَة بِالنَّهْيِ عَنْ الِاسْتِقْبَال وَالِاسْتِدْبَار جَمِيعًا كَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوب وَغَيْره وَاَللَّه أَعْلَم.
(فَرْع):
فِي مَسَائِل تَتَعَلَّق بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَة لِقَضَاءِ الْحَاجَة عَلَى مَذْهَب الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.
إِحْدَاهَا الْمُخْتَار عِنْد أَصْحَابنَا أَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوز الِاسْتِقْبَال وَالِاسْتِدْبَار فِي الْبُنْيَان إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ سَاتِر مِنْ جُدْرَانٍ وَنَحْوهَا، مِنْ حَيْثُ يَكُون بَيْنه وَبَيْنه ثَلَاثَة أَذْرُع فَمَا دُونهَا، وَبِشَرْطٍ آخَر وَهُوَ أَنْ يَكُون الْحَائِل مُرْتَفِعًا بِحَيْثُ يَسْتُر أَسَافِل الْإِنْسَان، وَقَدَّرُوهُ بِآخِرَةِ الرَّحْل وَهِيَ نَحْو ثُلُثَيْ ذِرَاع، فَإِنْ زَادَ مَا بَيْنه وَبَيْنه عَلَى ثَلَاثَة أَذْرُع، أَوْ قَصُرَ الْحَائِل عَنْ آخِرَة الرَّحْل فَهُوَ حَرَام كَالصَّحْرَاءِ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي بَيْت بُنِيَ لِذَلِكَ فَلَا حَجْر فيه كَيْف كَانَ، قَالُوا: وَلَوْ كَانَ فِي الصَّحْرَاء وَتَسَتَّرَ بِشَيْءٍ عَلَى الشَّرْط الْمَذْكُور زَالَ التَّحْرِيم، فَالِاعْتِبَار بِوُجُودِ السَّاتِر الْمَذْكُور وَعَدَمه فَيَحِلّ فِي الصَّحْرَاء وَالْبُنَيَّانِ بِوُجُودِهِ، وَيَحْرُم فيهمَا لِعَدَمِهِ. هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور عِنْد أَصْحَابنَا، وَمِنْ أَصْحَابنَا مَنْ اِعْتَبَرَ الصَّحْرَاء وَالْبُنْيَان مُطْلَقًا وَلَمْ يَعْتَبِر الْحَائِل، فَأَبَاحَ فِي الْبُنْيَان بِكُلِّ حَال، وَحَرَّمَ فِي الصَّحْرَاء بِكُلِّ حَال، وَالصَّحِيح الْأَوَّل، وَفَرَّعُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: لَا فَرْق بَيْن أَنْ يَكُون السَّاتِر دَابَّة أَوْ جِدَارًا أَوْ وَهْدَة أَوْ كَثِيب رَمْل أَوْ جَبَلًا، لَوْ أَرْخَى ذَيْله فِي قُبَالَة الْقِبْلَة فَفِي حُصُول السِّتْر وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحّهمَا عِنْدهمْ وَأَشْهَرهمَا: أَنَّهُ سَاتِر لِحُصُولِ الْحَائِل. وَاَللَّه أَعْلَم.
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: حَيْثُ جَوَّزْنَا الِاسْتِقْبَال وَالِاسْتِدْبَار، قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا: هُوَ مَكْرُوه، وَلَمْ يَذْكُر الْجُمْهُور الْكَرَاهَة، وَالْمُخْتَار أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ مَشَقَّة فِي تَكَلُّف التَّحَرُّف عَنْ الْقِبْلَة فَلَا كَرَاهَة، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشَقَّة فَالْأَوْلَى تَجَنُّبه لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَاف الْعُلَمَاء، وَلَا تُطْلَق عَلَيْهِ الْكَرَاهَة لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة فيه.
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة: يَجُوز الْجِمَاع مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة فِي الصَّحْرَاء وَالْبُنْيَان، هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيّ، وَاخْتَلَفَ فيه أَصْحَاب مَالِك فَجَوَّزَهُ اِبْن الْقَاسِم، وَكَرِهَهُ اِبْن حَبِيب، وَالصَّوَاب الْجَوَاز، فَإِنَّ التَّحْرِيم إِنَّمَا يَثْبُت بِالشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِد فيه نَهْي. وَاَللَّه أَعْلَم.
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة: لَا يَحْرُم اِسْتِقْبَال بَيْت الْمَقْدِس وَلَا اِسْتِدْبَاره بِالْبَوْلِ وَالْغَائِط، لَكِنْ يُكْرَه.
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة: إِذَا تَجَنَّبَ اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة وَاسْتِدْبَارهَا حَال خُرُوج الْبَوْل وَالْغَائِط ثُمَّ أَرَادَ الِاسْتِقْبَال أَوْ الِاسْتِدْبَار حَال الِاسْتِنْجَاء جَازَ. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (وَأَنْ لَا يَسْتَنْجِي بِالْيَمِينِ) هُوَ مِنْ أَدَب الِاسْتِنْجَاء، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيّ عَنْ الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ، ثُمَّ الْجَمَاهِير عَلَى أَنَّهُ نَهْي تَنْزِيه وَأَدَب لَا نَهْي تَحْرِيم، وَذَهَبَ بَعْض أَهْل الظَّاهِر إِلَى أَنَّهُ حَرَام، وَأَشَارَ إِلَى تَحْرِيمه جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا، وَلَا تَعْوِيل عَلَى إِشَارَتهمْ، قَالَ أَصْحَابنَا: وَيُسْتَحَبّ أَنْ لَا يَسْتَعِين بِالْيَدِ الْيُمْنَى فِي شَيْء مِنْ أُمُور الِاسْتِنْجَاء إِلَّا لِعُذْرٍ، فَإِذَا اِسْتَنْجَى بِمَاءٍ صَبَّهُ بِالْيُمْنَى وَمَسَحَ بِالْيُسْرَى، وَإِذَا اِسْتَنْجَى بِحَجَرٍ فَإِنْ كَانَ فِي الدُّبُر مَسَحَ بِيَسَارِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْقُبُل وَأَمْكَنَهُ وَضْع الْحَجَر عَلَى الْأَرْض أَوْ بَيْن قَدَمَيْهِ بِحَيْثُ يَتَأَتَّى مَسْحه أَمْسَكَ الذَّكَر بِيَسَارِهِ وَمَسَحَهُ عَلَى الْحَجَر، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنهُ ذَلِكَ وَاضْطَرَّ إِلَى حَمْل الْحَجَر حَمَلَهُ بِيَمِينِهِ وَأَمْسَكَ الذَّكَر بِيَسَارِهِ وَمَسَحَ بِهَا وَلَا يُحَرِّك الْيُمْنَى، هَذَا هُوَ الصَّوَاب.
وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: يَأْخُذ الذَّكَر بِيَمِينِهِ وَالْحَجَر بِيَسَارِهِ وَيَمْسَح وَيُحَرِّك الْيُسْرَى، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحِ لِأَنَّهُ يَمَسّ الذَّكَر بِيَمِينِهِ بِغَيْرِ ضَرُورَة، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ. وَاَللَّه أَعْلَم.
ثُمَّ إِنَّ فِي النَّهْي عَنْ الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ تَنْبِيهًا عَلَى إِكْرَامهَا وَصِيَانَتهَا عَنْ الْأَقْذَار وَنَحْوهَا، وَسَنُوَضِّحُ هَذِهِ الْقَاعِدَة قَرِيبًا فِي أَوَاخِر الْبَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلّ مِنْ ثَلَاثَة أَحْجَار) هَذَا نَصّ صَرِيح صَحِيح فِي أَنَّ الِاسْتِيفَاء ثَلَاث مَسَحَات، وَاجِب لابد مِنْهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَة فيها خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء، فَمَذْهَبنَا أَنَّهُ لابد فِي الِاسْتِنْجَاء بِالْحَجَرِ مِنْ إِزَالَة عَيْن النَّجَاسَة وَاسْتِيفَاء ثَلَاث مَسَحَات، فَلَوْ مَسَحَ مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ فَزَالَتْ عَيْن النَّجَاسَة وَجَبَ مَسْحه ثَالِثَة، وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَإِسْحَاق اِبْن رَاهَوَيْهِ وَأَبُو ثَوْر.
وَقَالَ مَالِك وَدَاوُدُ: الْوَاجِب الْإِنْقَاء، فَإِنْ حَصَلَ بِحَجَرٍ أَجْزَأَهُ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابنَا، وَالْمَعْرُوف مِنْ مَذْهَبنَا مَا قَدَّمْنَاهُ.
قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَوْ اِسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَة أَحْرُف مَسَحَ بِكُلِّ حَرْف مَسْحَة أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَاد الْمَسَحَات وَالْأَحْجَار الثَّلَاثَة أَفْضَل مِنْ حَجَر لَهُ ثَلَاثَة أَحْرُف، وَلَوْ اِسْتَنْجَى فِي الْقُبُل وَالدُّبُر وَجَبَ سِتّ مَسَحَات لِكُلِّ وَاحِد ثَلَاث مَسَحَات، وَالْأَفْضَل أَنْ يَكُون بِسِتَّةِ أَحْجَار فَإِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى حَجَر وَاحِد لَهُ سِتَّة أَحْرُف أَجْزَأَهُ، وَكَذَلِكَ الْخِرْقَة الصَّفِيقَة الَّتِي إِذَا مَسَحَ بِهَا لَا يَصِل الْبَلَل إِلَى الْجَانِب الْآخَر يَجُوز أَنْ يَمْسَح بِجَانِبِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَم.
قَالَ أَصْحَابنَا: وَإِذَا حَصَلَ الْإِنْقَاء بِثَلَاثَةِ أَحْجَار فَلَا زِيَادَة عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَحْصُل بِثَلَاثَةٍ وَجَبَ رَابِع، فَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاء بِهِ لَمْ تَجِب الزِّيَادَة، وَلَكِنْ يُسْتَحَبّ الْإِيتَار بِخَامِسٍ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُل بِالْأَرْبَعَةِ وَجَبَ خَامِس، فَإِنْ حَصَلَ بِهِ فَلَا زِيَادَة وَهَكَذَا فِيمَا زَادَ، مَتَى حَصَلَ الْإِنْقَاء بِوِتْرٍ فَلَا زِيَادَة، وَإِلَّا وَجَبَ الْإِنْقَاء وَاسْتُحِبَّ الْإِيتَار. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا نَصّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَحْجَار فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ بَعْض أَهْل الظَّاهِر، وَقَالُوا: الْحَجَر مُتَعَيِّن لَا يُجْزِئ غَيْره، وَذَهَبَ الْعُلَمَاء كَافَّة مِنْ الطَّوَائِف كُلّهَا إِلَى أَنَّ الْحَجَر لَيْسَ مُتَعَيِّنًا بَلْ تَقُوم الْخِرَق وَالْخَشَب وَغَيْر ذَلِكَ مَقَامه، وَأَنَّ الْمَعْنِيّ فيه كَوْنه مُزِيلًا، وَهَذَا يَحْصُل بِغَيْرِ الْحَجَر، وَإِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَة أَحْجَار» لِكَوْنِهَا الْغَالِب الْمُتَيَسَّر فَلَا يَكُون لَهُ مَفْهُوم كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق} وَنَظَائِره، وَيَدُلّ عَلَى عَدَم تَعْيِين الْحَجَر نَهْيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْعِظَام وَالْبَعْر وَالرَّجِيع، وَلَوْ كَانَ الْحَجَر مُتَعَيِّنًا لَنَهَى عَنَّا سِوَاهُ مُطْلَقًا.
قَالَ أَصْحَابنَا: وَاَلَّذِي يَقُوم مَقَام الْحَجَر كُلّ جَامِد طَاهِر مُزِيل لِلْعَيْنِ لَيْسَ لَهُ حُرْمَة وَلَا هُوَ جُزْء مِنْ حَيَوَان. قَالُوا: وَلَا يُشْتَرَط اِتِّحَاد جِنْسه، فَيَجُوز فِي الْقُبُل أَحْجَار وَفِي الدُّبُر خِرَق، وَيَجُوز فِي أَحَدهمَا حَجَر مَعَ خِرْقَتَيْنِ أَوْ مَعَ خِرْقَة وَخَشَبَة وَنَحْو ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: «أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْم» فيه النَّهْي عَنْ الِاسْتِنْجَاء بِالنَّجَاسَةِ وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّجِيعِ عَلَى جِنْس النَّجَس، فَإِنَّ الرَّجِيع هُوَ الرَّوْث، وَأَمَّا الْعَظْم فَلِكَوْنِهِ طَعَامًا لِلْجِنِّ فَنَبَّهَ عَلَى جَمِيع الْمَطْعُومَات، وَتَلْتَحِق بِهِ الْمُحْتَرَمَات كَأَجْزَاءِ الْحَيَوَان وَأَوْرَاق كُتُب الْعِلْم وَغَيْر ذَلِكَ، وَلَا فَرْق فِي النَّجَس بَيْن الْمَائِع وَالْجَامِد، فَإِنْ اِسْتَنْجَى بِنَجَسٍ لَمْ يَصِحّ اِسْتِنْجَاؤُهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَلَا يُجْزِئهُ الْحَجَر؛ لِأَنَّ الْمَوْضِع صَارَ نَجِسًا بِنَجَاسَةٍ أَجْنَبِيَّة، وَلَوْ اِسْتَنْجَى بِمَطْعُومٍ أَوْ غَيْره مِنْ الْمُحْتَرَمَات الطَّاهِرَات فَالْأَصَحّ أَنَّهُ لَا يَصِحّ اِسْتِنْجَاؤُهُ، وَلَكِنْ يُجْزِئُهُ الْحَجَر بَعْد ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَقَلَ النَّجَاسَة مِنْ مَوْضِعهَا.
وَقِيلَ: إِنَّ اِسْتِنْجَاؤُهُ الْأَوَّل يُجْزِئُهُ مَعَ الْمَعْصِيَة. وَاَللَّه أَعْلَم.
386- قَوْله: (عَنْ سَلْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ: إِنِّي أَرَى صَاحِبكُمْ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول وَهُوَ صَحِيح تَقْدِيره: قَالَ لَنَا قَائِل الْمُشْرِكِينَ، أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ وَاحِدًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَجَمَعَهُ لِكَوْنِ بَاقِيهمْ يُوَافِقُونَهُ.
388- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» قَالَ الْعُلَمَاء: هَذَا خِطَاب لِأَهْلِ الْمَدِينَة وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ بِحَيْثُ إِذَا شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ لَا يَسْتَقْبِل الْكَعْبَة وَلَا يَسْتَدْبِرهَا.
قَوْله: (فَوَجَدْنَا مَرَاحِيض) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَالْحَاء الْمُهْمَلَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة جَمْع مِرْحَاض بِكَسْرِ الْمِيم، وَهُوَ الْبَيْت الْمُتَّخَذ لِقَضَاءِ حَاجَة الْإِنْسَان أَيْ لِلتَّغَوُّطِ.
قَوْله: (فَنَنْحَرِف عَنْهَا) بِالنُّونَيْنِ مَعْنَاهُ: نَحْرِص عَلَى اِجْتِنَابهَا بِالْمَيْلِ عَنْهَا بِحَسَبِ قُدْرَتنَا.
قَوْله: (قَالَ: نَعَمْ) هُوَ جَوَاب لِقَوْلِهِ أَوَّلًا: قُلْت لِسُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ: سَمِعْت الزُّهْرِيّ يَذْكُرهُ عَنْ عَطَاء.
389- قَوْله: (وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن بْن خِرَاش حَدَّثَنَا عُمَر بْن عَبْد الْوَهَّاب حَدَّثَنَا يَزِيد يَعْنِي اِبْن زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا رَوْح عَنْ سُهَيْل، عَنْ الْقَعْقَاع عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذَا غَيْر مَحْفُوظ عَنْ سُهَيْل، وَإِنَّمَا هُوَ حَدِيث اِبْن عَجْلَان، حَدَّثَ بِهِ رَوْح وَغَيْره، وَقَالَ أَبُو الْفَضْل حَفِيد أَبِي سَعِيد الْهَرَوِيِّ: الْخَطَأ فيه مِنْ عُمَر بْن عَبْد الْوَهَّاب؛ لِأَنَّهُ حَدِيث يُعْرَف بِمُحَمَّدِ بْن عَجْلَان عَنْ الْقَعْقَاع، وَلَيْسَ لِسُهَيْلٍ فِي هَذَا الْإِسْنَاد ذِكْر، رَوَاهُ أُمَيَّة بْن بَسْطَام عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ- عَلَى الصَّوَاب- عَنْ رَوْح عَنْ اِبْن عَجْلَان عَنْ الْقَعْقَاع عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطُولِهِ، وَحَدِيث عُمَر بْن عَبْد الْوَهَّاب مُخْتَصَر، قُلْت: وَمِثْل هَذَا لَا يَظْهَر قَدْحه فَإِنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّ سُهَيْلًا وَابْن عَجْلَان سَمِعَاهُ جَمِيعًا وَاشْتُهِرَتْ رِوَايَته عَنْ اِبْن عَجْلَان، وَقَلَّت عَنْ سُهَيْل، وَلَمْ يَذْكُرهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ إِلَّا مِنْ جِهَة اِبْن عَجْلَان؛ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ اِبْن عَجْلَان عَنْ الْقَعْقَاع، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْن عَجْلَان، وَابْن مَاجَهْ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَالْمُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَعَبْد اللَّه بْن رَجَاء الْمَكِّيّ ثَلَاثَتهمْ عَنْ اِبْن عَجْلَان. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَحْمَد بْن خِرَاش الْمَذْكُور بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة.
390- قَوْله: (عَنْ حَبَّان) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة.
قَوْله: «لَقَدْ رَقِيت عَلَى ظَهْر بَيْت فَرَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا عَلَى لَبِنْتَيْنِ يَسْتَقْبِل بَيْت الْمَقْدِس» أَمَّا (رَقِيت) فَبِكَسْرِ الْقَاف وَمَعْنَاهُ: صَعِدْت هَذِهِ اللُّغَة الْفَصِيحَة الْمَشْهُورَة، وَحَكَى صَاحِب الْمَطَالِع لُغَتَيْنِ أُخْرَتَيْن: إِحْدَاهُمَا: بِفَتْحِ الْقَاف بِغَيْرِ هَمْزَة، وَالثَّانِيَة: بِفَتْحِهَا مَعَ الْهَمْزَة. وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم.
وَأَمَّا رُؤْيَته فَوَقَعَتْ اِتِّفَاقًا بِغَيْرِ قَصْد لِذَلِكَ، وَأَمَّا (اللَّبِنَة) فَمَعْرُوفَة، وَهِيَ بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْر الْبَاء، وَيَجُوز إِسْكَان الْبَاء مَعَ فَتْح اللَّام وَمَعَ كَسْرهَا، وَكَذَا كُلّ مَا كَانَ عَلَى هَذَا الْوَزْن- أَعْنِي: مَفْتُوح الْأَوَّل مَكْسُور الثَّانِي- يَجُوز فيه الْأَوْجُه الثَّلَاثَة (كَكَتِفٍ)، فَإِنْ كَانَ ثَانِيه أَوْ ثَالِثه حَرْف حَلْق جَازَ فيه وَجْه رَابِع وَهُوَ كَسْر الْأَوَّل وَالثَّانِي (كَفَخِذٍ)، وَأَمَّا (بَيْت الْمَقْدِس) فَتَقَدَّمَ بَيَان لُغَاته وَاشْتِقَاقه. فِي أَوَّل بَاب الْإِسْرَاء وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب النَّهْيِ عَنْ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ:

392- قَوْله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ هَمَّام عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ) قَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى أَخْبَرَنَا وَكِيع عَنْ هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ اِبْن قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول الَّتِي رَأَيْنَاهَا فِي الْأَوَّل (هَمَّام) بِالْمِيمِ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير، وَفِي الثَّانِي (هِشَام) بِالشِّينِ وَأَظُنّ الْأَوَّل تَصْحِيفًا مِنْ بَعْض النَّاقِلِينَ عَنْ مُسْلِم فَإِنَّ الْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيَّ وَغَيْرهمَا مِنْ الْأَئِمَّة رَوَاهُ عَنْ هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم فِي الطَّرِيق الثَّانِي، وَقَدْ أَوْضَحَ مَا قُلْته الْإِمَام الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد خَلَف الْوَاسِطِيُّ فَقَالَ: رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ هِشَام، وَعَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ وَكِيع عَنْ هِشَام عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير، فَصَرَّحَ الْإِمَام خَلَف بِأَنَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ فِي الطَّرِيقَيْنِ عَنْ هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ هَمَّامًا بِالْمِيمِ تَصْحِيف وَقَعَ فِي نَسْخِنَا مِمَّنْ بَعْد مُسْلِم. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُول، وَلَا يَتَمَسَّح مِنْ الْخَلَاء بِيَمِينِهِ» أَمَّا إِمْسَاك الذَّكَر بِالْيَمِينِ فَمَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه لَا تَحْرِيم كَمَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِنْجَاء، وَقَدْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ لَا يَسْتَعِين بِالْيَمِينِ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِنْجَاء، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يَتَعَلَّق بِهَذَا الْفَصْل.
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا يَتَمَسَّح مِنْ الْخَلَاء بِيَمِينِهِ» فَلَيْسَ التَّقْيِيد بِالْخَلَاءِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْبَوْل بَلْ هُمَا سَوَاء، و(الْخَلَاء) بِالْمَدِّ هُوَ الْغَائِط. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا يَتَنَفَّس فِي الْإِنَاء» مَعْنَاهُ: لَا يَتَنَفَّس فِي نَفْس الْإِنَاء، وَأَمَّا التَّنَفُّس ثَلَاثًا خَارِج الْإِنَاء فَسُنَّة مَعْرُوفَة، قَالَ الْعُلَمَاء: وَالنَّهْي عَنْ التَّنَفُّس فِي الْإِنَاء هُوَ مِنْ طَرِيق الْأَدَب؛ مَخَافَة مِنْ تَقْذِيره وَنَتِنهُ وَسُقُوط شَيْء مِنْ الْفَم وَالْأَنْف فيه وَنَحْو ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب التَّيَمُّنِ فِي الطُّهُورِ وَغَيْرِهِ:

395- قَوْلهَا: «كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ التَّيَمُّن فِي طَهُوره إِذَا تَطَهَّرَ، وَفِي تَرَجُّله إِذَا تَرَجَّلَ، وَفِي اِنْتِعَاله إِذَا اِنْتَعَلَ» هَذِهِ قَاعِدَة مُسْتَمِرَّة فِي الشَّرْع، وَهِيَ إِنَّ مَا كَانَ مِنْ بَاب التَّكْرِيم وَالتَّشْرِيف كَلُبْسِ الثَّوْب وَالسَّرَاوِيل وَالْخُفّ وَدُخُول الْمَسْجِد وَالسِّوَاك وَالِاكْتِحَال، وَتَقْلِيم الْأَظْفَار، وَقَصّ الشَّارِب، وَتَرْجِيل الشَّعْر وَهُوَ مَشْطُهُ، وَنَتْف الْإِبِط، وَحَلْق الرَّأْس، وَالسَّلَام مِنْ الصَّلَاة، وَغَسْل أَعْضَاء الطَّهَارَة، وَالْخُرُوج مِنْ الْخَلَاء، وَالْأَكْل وَالشُّرْب، وَالْمُصَافَحَة، وَاسْتِلَام الْحَجَر الْأَسْوَد، وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ يُسْتَحَبّ التَّيَامُن فيه.
وَأَمَّا مَا كَانَ بِضِدِّهِ كَدُخُولِ الْخَلَاء وَالْخُرُوج مِنْ الْمَسْجِد وَالِامْتِخَاط وَالِاسْتِنْجَاء وَخَلْعِ الثَّوْب وَالسَّرَاوِيل وَالْخُفّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيُسْتَحَبّ التَّيَاسُر فيه، وَذَلِكَ كُلّه بِكَرَامَةِ الْيَمِين وَشَرَفهَا. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ تَقْدِيم الْيَمِين عَلَى الْيَسَار مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوء سُنَّة، لَوْ خَالَفَهَا فَاتَهُ الْفَضْل، وَصَحَّ وُضْؤُهُ، وَقَالَتْ الشِّيعَة: هُوَ وَاجِب، وَلَا اِعْتِدَاد بِخِلَافِ الشِّيعَة.
وَاعْلَمْ أَنَّ الِابْتِدَاء بِالْيَسَارِ إِنْ كَانَ مُجْزِيًا فَهُوَ مَكْرُوه، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ، وَهُوَ ظَاهِر.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا بِأَسَانِيد حُمَيْدَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا لَبِسْتُمْ أَوْ تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِأَيَامِنِكُمْ». فَهَذَا نَصّ فِي الْأَمْر بِتَقْدِيمِ الْيَمِين، وَمُخَالَفَته مَكْرُوهَة أَوْ مُحَرَّمَة، وَقَدْ اِنْعَقَدَ إِجْمَاع عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُحَرَّمَة، فَوَجَبَ أَنْ تَكُون مَكْرُوهَة. ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَعْضَاء الْوُضُوء مَا لَا يُسْتَحَبّ فيه التَّيَامُن، وَهُوَ الْأُذُنَانِ وَالْكَفَّانِ وَالْخَدَّانِ بَلْ يَطْهُرَانِ دَفْعَة وَاحِدَة، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ كَمَا فِي حَقّ الْأَقْطَع وَنَحْوه؛ قَدَّمَ الْيَمِين. وَاَللَّه أَعْلَم.
396- قَوْله: «كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ التَّيَمُّن فِي شَأْنه كُلّه فِي نَعْله وَرِجْلَيْهِ» هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول (فِي نَعْله) عَلَى إِفْرَاد النَّعْل وَفِي بَعْضهَا (نَعْلَيْهِ) بِزِيَادَةِ يَاء التَّثْنِيَة، وَهُمَا صَحِيحَانِ، أَيْ فِي لُبْس نَعْلَيْهِ أَوْ فِي لُبْس نَعْله أَيْ: جِنْس النَّعْل، وَلَمْ يُرَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخِ بِلَادنَا غَيْر هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ وَالْحَافِظ عَبْد الْحَقّ فِي كِتَابهمَا الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ فِي (تَنَعُّله) بِتَاءٍ مُثَنَّاة فَوْق ثُمَّ نُون تَشْدِيد الْعَيْن، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَات الْبُخَارِيّ وَغَيْره، وَكُلّه صَحِيح، وَوَقَعَ فِي رِوَايَات الْبُخَارِيّ (يُحِبّ التَّيَمُّن مَا اِسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) وَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَخْ. وَفِي قَوْله: (مَا اِسْتَطَاعَ) إِشَارَة إِلَى شِدَّة الْمُحَافَظَة عَلَى التَّيَمُّن. وَاللَّهُ أَعْلَم.

.باب النَّهْيِ عَنِ التَّخَلِّي فِي الطُّرُقِ وَالظِّلاَلِ:

397- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اِتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُول اللَّه؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيق النَّاس أَوْ فِي ظِلّهمْ» أَمَّا (اللَّعَّانَانِ) فَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِم، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ (اِتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ) وَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ، قَالَ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَاد بِاللَّاعِنَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْجَالِبَيْنِ لِلَّعْنِ الْحَامِلَيْنِ النَّاس عَلَيْهِ وَالدَّاعِيَيْنِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ فَعَلَهُمَا شُتِمَ وَلُعِنَ، يَعْنِي عَادَة النَّاس لَعْنه، فَلَمَّا صَارَا سَبَبًا لِذَلِكَ أُضِيف اللَّعْن إِلَيْهِمَا.
قَالَ: وَقَدْ يَكُون اللَّاعِن بِمَعْنَى الْمَلْعُون، وَالْمَلَاعِن مَوَاضِع اللَّعْن، قُلْت: فَعَلَى هَذَا يَكُون التَّقْدِير: اِتَّقُوا الْأَمْرَيْنِ الْمَلْعُون فَاعِلهمَا، وَهَذَا عَلَى رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ.
وَأَمَّا رِوَايَة مُسْلِم فَمَعْنَاهَا- وَاَللَّه أَعْلَم- اِتَّقُوا فِعْل اللَّعَّانَيْنِ أَيْ: صَاحِبَيْ اللَّعْن، وَهُمَا اللَّذَانِ يَلْعَنهُمَا النَّاس فِي الْعَادَة. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء: الْمُرَاد بِالظِّلِّ هُنَا مُسْتَظَلّ النَّاس الَّذِي اِتَّخَذُوهُ مَقِيلًا وَمُنَاخًا يَنْزِلُونَهُ وَيَقْعُدُونَ فيه، وَلَيْسَ كُلّ ظِلّ يَحْرُم الْقُعُود تَحْته، فَقَدْ قَعَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْت حَايِش النَّخْل لِحَاجَتِهِ وَلَهُ ظِلّ بِلَا شَكّ. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيق النَّاس» فَمَعْنَاهُ يَتَغَوَّط فِي مَوْضِع يَمُرّ بِهِ النَّاس وَمَا نَهَى عَنْهُ فِي الظِّلّ وَالطَّرِيق لِمَا فيه مِنْ إِيذَاء الْمُسْلِمِينَ بِتَنْجِيسِ مَنْ يَمُرّ بِهِ وَنَتْنِهِ وَاسْتِقْذَاره. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب الاِسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ مِنَ التَّبَرُّزِ:

398- قَوْله: «دَخَلَ حَائِطًا وَتَبِعَهُ غُلَام مَعَهُ مِيضَأَة فَوَضَعَهَا عِنْد سِدْرَة فَقَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَته فَخَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدْ اِسْتَنْجَى بِالْمَاءِ» (الْمِيضَأَة) بِكَسْرِ الْمِيم وَبِهَمْزَةٍ بَعْد الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهِيَ الْإِنَاء الَّذِي يُتَوَضَّأ بِهِ كَالرَّكْوَةِ وَالْإِبْرِيق وَشَبَههمَا.
وَأَمَّا (الْحَائِط) فَهُوَ الْبُسْتَان.
399- قَوْله: «كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُل الْخَلَاء فَأَحْمِل أَنَا وَغُلَام نَحْوِي إِدَاوَة مِنْ مَاء وَعَنَزَة فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ» وَأَمَّا (الْعَنَزَة) فَبِفَتْحِ الْعَيْن وَالزَّاي، وَهِيَ عَصًا طَوِيلَة فِي أَسْفَلهَا زَجّ، وَيُقَال: رُمْح قَصِير، وَإِنَّمَا كَانَ يَسْتَصْحِبهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ صَلَّى فَيَحْتَاج إِلَى نَصْبِهَا بَيْن يَدَيْهِ لِتَكُونَ حَائِلًا يُصَلِّي إِلَيْهِ.
400- «كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَرَّز لِحَاجَتِهِ فَآتِيه بِالْمَاءِ فَيَتَغَسَّل بِهِ» وَأَمَّا قَوْله (يَتَبَرَّز) فَمَعْنَاهُ يَأْتِي الْبَرَاز بِفَتْحِ الْبَاء، وَهُوَ الْمَكَان الْوَاسِع الظَّاهِر مِنْ الْأَرْض لِيَخْلُوَ لِحَاجَتِهِ وَيَسْتَتِر وَيَبْعُد عَنْ أَعْيُن النَّاظِرِينَ.
وَأَمَّا قَوْله: (فَيَغْتَسِل بِهِ) فَمَعْنَاهُ يَسْتَنْجِي بِهِ وَيَغْسِل مَحَلّ الِاسْتِنْجَاء. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَأَمَّا فِقْه هَذِهِ الْأَحَادِيث فَفيها: اِسْتِحْبَاب التَّبَاعُد لِقَضَاءِ الْحَاجَة عَنْ النَّاس، وَالِاسْتِتَار عَنْ أَعْيُن النَّاظِرِينَ، وَفيها: جَوَاز اِسْتِخْدَام الرَّجُل الْفَاضِل بَعْض أَصْحَابه فِي حَاجَته، وَفيها: خِدْمَة الصَّالِحِينَ وَأَهْل الْفَضْل وَالتَّبَرُّك بِذَلِكَ، وَفيها: جَوَاز الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَاسْتِحْبَابه وَرُجْحَانه عَلَى الِاقْتِصَار عَلَى الْحَجَر، وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِير مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف وَأَجْمَع عَلَيْهِ أَهْل الْفَتْوَى مِنْ أَئِمَّة الْأَمْصَار: أَنَّ الْأَفْضَل أَنْ يَجْمَع بَيْن الْمَاء وَالْحَجَر فَيَسْتَعْمِل الْحَجَر أَوَّلًا لِتَخِفّ النَّجَاسَة وَتَقِلّ مُبَاشَرَتهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ يَسْتَعْمِل الْمَاء، فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَار عَلَى أَحَدهمَا جَازَ الِاقْتِصَار عَلَى أَيّهمَا شَاءَ سَوَاء وَجَدَ الْآخَر أَوْ لَمْ يَجِدْهُ، فَيَجُوز الِاقْتِصَار عَلَى الْحَجَر مَعَ وُجُود الْمَاء، وَيَجُوز عَكْسه، فَإِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى أَحَدهمَا فَالْمَاء أَفْضَل مِنْ الْحَجَر لِأَنَّ الْمَاء يُطَهِّر الْمَحَلّ طَهَارَة حَقِيقَة، وَأَمَّا الْحَجَر فَلَا يُطَهِّرهُ وَإِنَّمَا يُخَفِّف النَّجَاسَة وَيُبِيح الصَّلَاة مَعَ النَّجَاسَة الْمَعْفُوّ عَنْهَا. وَبَعْض السَّلَف ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْأَفْضَل هُوَ الْحَجَر، وَرُبَّمَا أَوْهَمَ كَلَام بَعْضهمْ أَنَّ الْمَاء لَا يُجْزِي، وَقَالَ اِبْن حَبِيب الْمَالِكِيّ: لَا يُجْزِي الْحَجَر إِلَّا لِمَنْ عَدِمَ الْمَاء، وَهَذَا خِلَاف مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف وَخِلَاف ظَوَاهِر السُّنَن الْمُتَظَاهِرَة. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء بِهَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبّ أَنْ يَتَوَضَّأ مِنْ الْأَوَانِي دُون الْمَشَارِع وَالْبِرَك وَنَحْوهَا، إِذْ لَمْ يُنْقَل ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَيْر مَقْبُول، وَلَمْ يُوَافِق عَلَيْهِ أَحَد فِيمَا نَعْلَم.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: هَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِل لَا أَصْل لَهُ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَهَا فَعَدَلَ عَنْهَا إِلَى الْأَوَانِي. وَاللَّهُ أَعْلَم.

.باب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ:

قَوْله: (بَاب الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ) أَجْمَع مَنْ يُعْتَدّ لَهُ فِي الْإِجْمَاع عَلَى جَوَاز الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ، فِي السَّفَر وَالْحَضَر، سَوَاء كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا حَتَّى يَجُوز لِلْمَرْأَةِ الْمُلَازِمَة بَيْتهَا وَالزَّمِن الَّذِي لَا يَمْشِي، وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْهُ الشِّيعَة وَالْخَوَارِج وَلَا يُعْتَدّ بِخِلَافِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى رِوَايَات فيه، وَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَبه كَمَذْهَبِ الْجَمَاهِير، وَقَدْ رَوَى الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ خَلَائِق لَا يُحْصَوْنَ مِنْ الصَّحَابَة.
قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْسَح عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَقَدْ بَيَّنْت أَسْمَاء جَمَاعَات كَثِيرِينَ مِنْ الصَّحَابَة الَّذِينَ رَوَوْهُ فِي شَرْح الْمُهَذَّب، وَقَدْ ذَكَرْت فيه جُمَلًا نَفِيسَة مِمَّا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَنَّ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ أَفْضَل أَمْ غَسْل الرِّجْلَيْنِ؟ فَذَهَبَ أَصْحَابنَا إِلَى أَنَّ الْغَسْل أَفْضَل لِكَوْنِهِ الْأَصْل؛ وَذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَات مِنْ الصَّحَابَة مِنْهُمْ: عُمَر بْن الْخَطَّاب، وَابْنه عَبْد اللَّه، وَأَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ. وَذَهَبَ جَمَاعَات مِنْ التَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ الْمَسْح أَفْضَل، وَذَهَبَ الشَّعْبِيّ وَالْحَكَم وَحَمَّاد. وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ: أَصَحّهمَا: الْمَسْح أَفْضَل، وَالثَّانِيَة: هُمَا سَوَاء، وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر. وَاللَّهُ أَعْلَم.
401- قَوْله: (كَانَ يُعْجِبهُمْ هَذَا الْحَدِيث لِأَنَّ إِسْلَام جَرِير كَانَ بَعْد نُزُول الْمَائِدَة) مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ فِي سُورَة الْمَائِدَة: {فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِق وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلكُمْ} فَلَوْ كَانَ إِسْلَام جَرِير مُتَقَدِّمًا عَلَى نُزُول الْمَائِدَة لَاحْتَمَلَ كَوْن حَدِيثه فِي مَسْح الْخُفّ مَنْسُوخًا بِآيَةِ الْمَائِدَة، فَلَمَّا كَانَ إِسْلَامه مُتَأَخِّرًا عَلِمْنَا أَنَّ حَدِيثه يُعْمَل بِهِ، وَهُوَ مُبَيِّن أَنَّ الْمُرَاد بِآيَةِ الْمَائِدَة غَيْر صَاحِب الْخُفّ فَتَكُون السُّنَّة مُخَصِّصَة لِلْآيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَرَوَيْنَا فِي سُنَن الْبَيْهَقِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن أَدْهَم قَالَ: مَا سَمِعْت فِي الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ أَحْسَن مِنْ حَدِيث جَرِير. وَاللَّهُ أَعْلَم.
402- قَوْله: «كُنْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَة قَوْم فَبَال قَائِمًا فَتَنَحَّيْت فَقَالَ: اُدْنُهْ فَدَنَوْت حَتَّى قُمْت عِنْد عَقِبَيْهِ فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفيه» أَمَّا (السُّبَاطَة) فَبِضَمِّ السِّين الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحَّدَة، وَهِيَ مَلْقَى الْقُمَامَة وَالتُّرَاب وَنَحْوهمَا تَكُون بِفِنَاءِ الدُّور مُرْفَقًا لِأَهْلِهَا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَيَكُون ذَلِكَ فِي الْغَالِب سَهْلًا مَنْثًا لَا يَحُدّ فيه الْبَوْل وَلَا يَرْتَدّ عَلَى الْبَائِل، وَأَمَّا سَبَب بَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا فَذَكَرَ الْعُلَمَاء فيه أَوْجُهًا حَكَاهَا الْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ الْأَئِمَّة أَحَدهَا: قَالَا: وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّ الْعَرَب كَانَتْ تَسْتَشِفِي لِوَجَعِ الصُّلْب بِالْبَوْلِ قَائِمًا، قَالَ فَتَرَى أَنَّهُ كَانَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَع الصُّلْب إِذْ ذَاكَ؟ وَالثَّانِي: أَنَّ سَبَبه مَا رُوِيَ فِي رِوَايَة ضَعِيفَة رَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْره: أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ قَائِمًا لِعِلَّةٍ بِمَأْبِضِهِ و(الْمَأْبِض) بِهَمْزَةِ سَاكِنَة بَعْد الْمِيم ثُمَّ مُوَحَّدَة وَهُوَ بَاطِن الرُّكْبَة، وَالثَّالِث: أَنَّهُ لَمْ يَجِد مَكَانًا لِلْقُعُودِ فَاضْطُرَّ إِلَى الْقِيَام لِكَوْنِ الطَّرَف الَّذِي مِنْ السُّبَاطَة كَانَ عَالِيًا مُرْتَفِعًا، وَذَكَرَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيّ وَالْقَاضِي عِيَاض- رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى- وَجْهًا رَابِعًا وَهُوَ: أَنَّهُ بَالَ قَائِمًا لِكَوْنِهَا حَالَة يُؤْمَن فيها خُرُوج الْحَدَث مِنْ السَّبِيل الْآخَر فِي الْغَالِب بِخِلَافِ حَالَة الْقُعُود، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَر: الْبَوْل قَائِمًا أَحْصَنُ لِلدُّبُرِ، وَيَجُوز وَجْه خَامِس: أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ لِلْجَوَازِ فِي هَذِهِ الْمَرَّة، وَكَانَتْ عَادَته الْمُسْتَمِرَّة يَبُول قَاعِدًا، يَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: (مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبُول قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ مَا كَانَ يَبُول إِلَّا قَاعِدًا). رَوَاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَآخَرُونَ، وَإِسْنَاده جَيِّد. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَقَدْ رُوِيَ فِي النَّهْي عَنْ الْبَوْل قَائِمًا أَحَادِيث لَا تَثْبُت، وَلَكِنَّ حَدِيث عَائِشَة هَذَا ثَابِت فَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاء: يُكْرَه الْبَوْل قَائِمًا إِلَّا لِعُذْرٍ، وَهِيَ كَرَاهَة تَنْزِيه لَا تَحْرِيم.
قَالَ اِبْن الْمُنْذِر فِي الْإِشْرَاق: اِخْتَلَفُوا فِي الْبَوْل قَائِمًا فَثَبَتَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَزَيْد بْن ثَابِت وَابْن عُمَر وَسَهْل بْن سَعْد أَنَّهُمْ بَالُوا قِيَامًا، قَالَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَس وَعَلِيّ وَأَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ. وَفَعَلَ ذَلِكَ اِبْن سِيرِينَ وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر، وَكَرِهَهُ اِبْن مَسْعُود وَالشَّعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد، وَكَانَ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد لَا يُجِيز شَهَادَة مَنْ بَالَ قَائِمًا، وَفيه قَوْل ثَالِث: أَنَّهُ كَانَ فِي مَكَان يَتَطَايَر إِلَيْهِ مِنْ الْبَوْل شَيْء فَهُوَ مَكْرُوه، فَإِنْ كَانَ لَا يَتَطَايَر فَلَا بَأْس بِهِ. وَهَذَا قَوْل مَالِك قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: الْبَوْل جَالِسًا أَحَبّ إِلَيَّ وَقَائِمًا مُبَاح، وَكُلّ ذَلِكَ ثَابِت عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. هَذَا كَلَام اِبْن الْمُنْذِر. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَأَمَّا بَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُبَاطَة قَوْم فَيَحْتَمِل أَوْجُهًا: أَظْهَرهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤْثِرُونَ ذَلِكَ وَلَا يَكْرَهُونَهُ بَلْ يَفْرَحُونَ بِهِ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَاله جَازَ الْبَوْل فِي أَرْضه، وَالْأَكْل مِنْ طَعَامه، وَنَظَائِر هَذَا فِي السُّنَّة أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَى.
وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى هَذِهِ الْقَاعِدَة فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: (اِحْتَفَزْت كَمَا يَحْتَفِز الثَّعْلَب). وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُخْتَصَّة بِهِمْ بَلْ كَانَتْ بِفِنَاءِ دُورهمْ لِلنَّاسِ كُلّهمْ فَأُضِيفَتْ إِلَيْهِمْ لَقُرْبهَا مِنْهُمْ.
وَالثَّالِث: أَنْ يَكُونُوا أَدْنَوْا لِمَنْ أَرَادَ قَضَاء الْحَاجَة إِمَّا بِصَرِيحِ الْإِذْن وَإِمَّا بِمَا فِي مَعْنَاهُ. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا بَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السُّبَاطَة الَّتِي بِقُرْبِ الدُّور مَعَ أَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ عَادَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّبَاعُد فِي الْمَذْهَب، فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ سَبَبه: أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ الشُّغْل بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّظَر فِي مَصَالِحهمْ بِالْمَحَلِّ الْمَعْرُوف، فَلَعَلَّهُ طَالَ عَلَيْهِ مَجْلِس حَتَّى حَفَزَهُ الْبَوْل فَلَمْ يُمْكِنهُ التَّبَاعُد، وَلَوْ أَبْعَد لَتَضَرَّرَ، وَارْتَادَ السُّبَاطَة لِدَمَثِهَا، وَأَقَامَ حُذَيْفَة بِقُرْبِهِ لِيَسْتُرهُ عَنْ النَّاس. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي حَسَن ظَاهِر. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَأَمَّا قَوْله: (فَتَنَحَّيْت فَقَالَ إِذْنه فَدَنَوْت حَتَّى قُمْت عِنْد عَقِبَيْهِ) قَالَ الْعُلَمَاء: إِنَّمَا اِسْتَدْنَاهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَتِر بِهِ عَنْ أَعْيُن النَّاس وَغَيْرهمْ مِنْ النَّاظِرِينَ لِكَوْنِهَا حَالَة يُسْتَخْفَى بِهَا وَيُسْتَحْيَ مِنْهَا فِي الْعَادَة، وَكَانَتْ الْحَاجَة الَّتِي يَقْضِيهَا بَوْلًا مِنْ قِيَام يُؤْمَنُ مَعَهَا خُرُوج الْحَدَث الْآخَر وَالرَّائِحَة الْكَرِيهَة، فَلِهَذَا اِسْتَدْنَاهُ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر لَمَّا أَرَادَ قَضَاء الْحَاجَة قَالَ: (تَنَحَّ) لِكَوْنِهِ كَانَ يَقْضِيهَا قَاعِدًا، وَيَحْتَاج إِلَى الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا فَتَحْصُل الرَّائِحَة الْكَرِيهَة وَمَا يَتْبَعهَا. وَلِهَذَا قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْحَدِيث: مِنْ السُّنَّة الْقُرْب مِنْ الْبَائِل إِذَا كَانَ قَائِمًا، فَإِذَا كَانَ قَاعِدًا فَالسُّنَّة الْإِبْعَاد عَنْهُ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُشْتَمِل عَلَى أَنْوَاع مِنْ الْفَوَائِد تَقَدَّمَ بَسْط أَكْثَرهَا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَنُشِير إِلَيْهَا هَا هُنَا مُخْتَصَرَة، فَفيه: إِثْبَات الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَفيه: جَوَاز الْمَسْح فِي الْحَضَر. وَفيه جَوَاز الْبَوْل قَائِمًا. وَجَوَاز قُرْب الْإِنْسَان مِنْ الْبَائِل. وَفيه: جَوَاز طَلَب الْبَائِل مِنْ صَاحِبه الَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ الْقُرْب مِنْهُ لِيَسْتُرهُ. وَفيه: اِسْتِحْبَاب السِّتْر. وَفيه: جَوَاز الْبَوْل بِقُرْبِ الدِّيَار. وَفيه غَيْر ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
403- قَوْله: «فَقَالَ حُذَيْفَة: لَوَدِدْت أَنَّ صَاحِبكُمْ لَا يُشَدِّد هَذَا التَّشْدِيد فَلَقَدْ رَأَيْتنِي أَنَا وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَمَاشَى فَأَتَى سُبَاطَة خَلْف حَائِط فَقَامَ كَمَا يَقُوم أَحَدكُمْ فَبَال» إِلَخْ مَقْصُود حُذَيْفَة أَنَّ هَذَا التَّشْدِيد خِلَاف السُّنَّة؛ فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ قَائِمًا، وَلَا شَكّ فِي كَوْن الْقَائِم مُعَرَّضًا لِلرَّشِيشِ، وَلَمْ يَلْتَفِت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَذَا الِاحْتِمَال، وَلَمْ يَتَكَلَّف الْبَوْل فِي قَارُورَة كَمَا فَعَلَ أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
404- قَوْله: (أَخْبَرَنَا اللَّيْث عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ عُرْوَة بْن الْمُغِيرَة عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَة) هَذَا الْإِسْنَاد فيه أَرْبَعَة تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض وَهُمْ يَحْيَى بْن سَعِيد، وَهُوَ الْأَنْصَارِيّ، وَسَعْد وَنَافِع وَعُرْوَة، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ (مِيمَ) الْمُغِيرَة تُضَمّ وَتُكْسَر. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: عَنْ عُرْوَة بْن الْمُغِيرَة عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَة بِإِدَاوَةٍ فيها مَاء فَصَبَّ عَلَيْهِ حِين فَرَغَ مِنْ حَاجَته فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» وَفِي رِوَايَة (حَتَّى) مَكَان (حِين). أَمَّا قَوْله: (فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَة) فَهُوَ مِنْ كَلَام عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ، وَهَذَا كَثِير يَقَع مِثْله فِي الْحَدِيث، فَنَقَلَ الرَّاوِي عَنْ الْمَرْوِيّ عَنْهُ لَفْظه عَنْ نَفْسه بِلَفْظِ الْغِيبَة.
وَأَمَّا (الْإِدَاوَة) فَهِيَ وَالرَّكْوَة وَالْمَطْهَرَة وَالْمِيضَأَة بِمَعْنًى مُتَقَارِب، وَهُوَ إِنَاء الْوُضُوء.
وَأَمَّا قَوْله (فَصَبَّ عَلَيْهِ حِين فَرَغَ مِنْ حَاجَته) فَمَعْنَاهُ: بَعْد اِنْفِصَاله مِنْ مَوْضِع قَضَاء حَاجَته وَانْتِقَاله إِلَى مَوْضِع آخَر، فَصَبَّ عَلَيْهِ فِي وُضُوئِهِ.
وَأَمَّا رِوَايَة (حَتَّى فَرَغَ) فَلَعَلَّ مَعْنَاهُ: فَصَبَّ عَلَيْهِ فِي وُضُوئِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْوُضُوء، فَيَكُون الْمُرَاد بِالْحَاجَةِ الْوُضُوء، وَقَدْ جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى مُبَيِّنًا أَنَّ صَبَّهُ عَلَيْهِ كَانَ بَعْد رُجُوعه مِنْ قَضَاء الْحَاجَة. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث: دَلِيل عَلَى جَوَاز الِاسْتِعَانَة فِي الْوُضُوء.
وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ صَبَّ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وُضُوئِهِ حِين اِنْصَرَفَ مِنْ عَرَفَة.
وَقَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيث لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ النَّهْي عَنْ الِاسْتِعَانَة.
قَالَ أَصْحَابنَا: الِاسْتِعَانَة ثَلَاثَة أَقْسَام: أَحَدهَا: أَنْ يَسْتَعِين بِغَيْرِهِ فِي إِحْضَار الْمَاء فَلَا كَرَاهَة فيه وَلَا نَقْص.
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَعِين بِهِ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاء، وَيُبَاشِر الْأَجْنَبِيّ بِنَفْسِهِ غَسْلَ الْأَعْضَاء فَهَذَا مَكْرُوه إِلَّا لِحَاجَةٍ.
وَالثَّالِث: أَنْ يَصُبّ عَلَيْهِ فَهَذَا الْأَوْلَى تَرْكه، وَهَلْ يُسَمَّى مَكْرُوهًا؟ فيه وَجْهَانِ، قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ: وَإِذَا صَبَّ عَلَيْهِ وَقَفَ الصَّابّ عَلَى يَسَار الْمُتَوَضِّئ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
407- قَوْله: (فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْت الْجُبَّة) فيه جَوَاز مِثْل هَذَا لِلْحَاجَةِ وَفِي الْخَلْوَة، وَأَمَّا بَيْن النَّاس فَيَنْبَغِي أَلَّا يَفْعَل لِغَيْرِ حَاجَة لِأَنَّ فيه إِخْلَالًا بِالْمُرُوءَةِ.
408- قَوْله: (حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاء عَنْ عَامِر قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَة بْن الْمُغِيرَة عَنْ أَبِيهِ) هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنِّي أَدْخَلْتهمَا طَاهِرَتَيْنِ» فيه دَلِيل عَلَى: أَنَّ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ لَا يَجُوز إِلَّا إِذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَة بِأَنْ يُفْرِغ مِنْ الْوُضُوء بِكَمَالِهِ ثُمَّ يَلْبَسهُمَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَة إِدْخَالهمَا طَاهِرَتَيْنِ أَنْ تَكُون كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا أُدْخِلَتْ وَهِيَ طَاهِرَة.
وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة، فَمَذْهَبنَا أَنَّهُ يُشْتَرَط لُبْسهمَا عَلَى طَهَارَة كَامِلَة حَتَّى لَوْ غَسَلَ رِجْله الْيُمْنَى ثُمَّ لَبِسَ خُفّهَا وَغَسَلَ الْيُسْرَى ثُمَّ لَبِسَ خُفّهَا لَمْ يَصِحّ لُبْس الْيُمْنَى فلابد مِنْ نَزْعهَا وَإِعَادَة لُبْسهَا وَلَا يَحْتَاج إِلَى نَزْع الْيُسْرَى لِكَوْنِهَا أُلْبِسَتْ بَعْد كَمَالِ الطَّهَارَة، وَشَذَّ بَعْض أَصْحَابنَا فَأَوْجَبَ نَزْعَ الْيُسْرَى أَيْضًا. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اِشْتِرَاط الطَّهَارَة فِي اللُّبْس هُوَ مَذْهَب مَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَيَحْيَى بْن آدَم وَالْمُزَنِيّ وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُدُ: يَجُوز اللُّبْس عَلَى حَدَث ثُمَّ يُكْمِل طَهَارَته. وَاللَّهُ أَعْلَم.
409- قَوْله: (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن حَاتِم حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن مَنْصُور حَدَّثَنَا عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ عُرْوَة بْن الْمُغِيرَة عَنْ أَبِيهِ) قَالَ الْحَافِظ أَبُو عَلِيّ النَّيْسَابُورِيّ: هَكَذَا رُوِيَ لَنَا عَنْ مُسْلِم إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث عَنْ عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة مِنْ جَمِيع الطُّرُق، لَيْسَ بَيْنه وَبَيْن الشَّعْبِيّ أَحَد، وَذَكَرَ أَبُو مَسْعُود أَنَّ مُسْلِم بْن الْحَجَّاج خَرَّجَهُ عَنْ اِبْن حَاتِم عَنْ إِسْحَاق عَنْ عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي السَّفَر عَنْ الشَّعْبِيّ، وَهَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْر الْجَوْرَقِيّ فِي كِتَابه الْكَبِير، وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه: أَنَّ عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة قَدْ سَمِعَ مِنْ الشَّعْبِيّ وَأَنَّهُ كَانَ يَبْعَث اِبْن أَبِي السَّفَر وَزَكَرِيَّا إِلَى الشَّعْبِيّ يَسْأَلَانِهِ. هَذَا آخِر كَلَام أَبِي عَلِيّ، قُلْت: وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد خَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ فِي أَطْرَافه: أَنَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ عَنْ اِبْن حَاتِم عَنْ إِسْحَاق عَنْ عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ الشَّعْبِيّ كَمَا هُوَ فِي الْأُصُول وَلَمْ يَذْكُر اِبْن أَبِي السَّفَر. وَاللَّهُ أَعْلَم.